فى هذا العنوان مضادة صارخة: كيف يكون الصليب، وهو رمز الظلم والعذاب والعار، مصدر مجد وفرح؟ أليس هذا أمراً غير معقول؟ وأليس كل ما هو غير معقول جهالة؟
نعم، ولذلك يلزمنا أن نصير جهلاء لنتذوَّق فرح الصليب ويحلَّ علينا مجده، ولكن جهلاء فيما يخص الظلم والعذاب والعار، أي نتجاهلها إلى حين ليحلَّ علينا فرح الصليب ومجده، وكيف نتجاهل الظلم والعذاب والعار؟
كثيرون يفرحون بالصليب، صليب المسيح، لأن عليه تألَّم المسيح ومات وبآلامه وموته نلنا الفداء، وفي الفداء أعظم فرح لأنه عتقنا من موت أبدي. لقد فدانا المسيح من الآلام ومن الموت في معنيهما الروحي والأبدي، لأن المسيح روح أبدي فصار فرح الفداء روحياً وأبدياً أيضاً.
ولكن مجرد فرحي بآلام غيري وبموت غيري افتئات وجمود وسلبية مطلقة. فرح مثل هذا ليس هو تجاهُلاً للظلم والعذاب، بل تجاهلٌ للمسيح. إن سرَّ المسيح الأعظم هو أنَّ المسيح لا يُمثِّل "آخر" بالنسبة لي، بل يمثِّلني أنا نفسي بلحمي وعظمي وروحي وكل ما فيَّ وما عليَّ.
الله ظل بالنسبة للإنسان "آخر" تماماً، هو من طبيعة وأنا من طبيعة أخرى، هو لا يُمثِّلني أبداً وأنا لا أُمثِّله أبداً، إلى أن تجسَّد المسيح ابن الله في طبيعتي فصار يمثِّلني تماماً لدى الآب، وصرتُ عندما يحلُّ روحه في داخلي أُمثِّله تماماً لدى كل الذين لم يعرفوه بعد. صار هو أمام الآب كخاطئ يطلب برَّ الله لأجلي، وصرتُ أنا بروحه الأزلي أتراءى لدى الآب كأني هو، كأني بار، كأني ابن «وهو آتٍ بأبناء كثيرين إلى المجد» (عب 2: 10).
إذن، فهل يمكن أن يصبح صليب المسيح، أي تصبح آلامه وموته، مصدر فرح لي ومجد دون أن تكون هي آلامي وموتي وأكون شريكاً؟ هذا أمرٌ مُحال لأن كل ما للمسيح صار لي، صليبه ومجده وفرحه وألمه معاً. إذن، فكيف أتألم معه لأفرح معه وأتمجَّد معه؟
مِن على المنبر يمكن أن نصل بالسامعين إلى شركة آلام المسيح، وشركة مجد المسيح، وشركة كل شيء بغاية السهولة بالكلام والعواطف؛ بل حتى يمكننا أن نقنع السامعين أنهم صاروا أطهاراً ومبرَّرين، بالكلام أيضاً؛ بل وندعوهم للفرح والمجد وكأن الفرح فكرة، مجرد فكرة، والمجد بالإقناع مجرد إقناع. ويكفي أن يقول الواعظ بعد ذلك: هلليلويا! ليرقص السامعون ويفرحوا بصليب المسيح!!! ولكن حينما يدخل الصليب حياتنا بالفعل يبطل الرقص ويتوقَّف الهتاف وينسدُّ الفم عن هلليلويا، ويقف الإنسان يطلب بإلحاح أن يُرفع عنه الصليب. ثم إذ يتباطأ الله يبتدئ التذمُّر وتبدأ المحاجاة مع الله والعتاب ثم الخصام ثم الجفاء، وأخيراً يُسدل الستار عن قصة غرام مع الله قصيرة انتهت بمأساة وقطيعة.
هذا مدخل للفرح الروحي وهمي وخاطئ جدّ الخطأ، وتعرُّف على الصليب من خلال الألفاظ والمعاني وليس على أساس الواقع والحق.
فما هو المدخل الصادق للفرح الصادق؟ وما هو الصليب الواقعي؟
- حينما يقع علينا ظلم مكشوف وفاضح،
فهذا هو المسيح يتعرَّى استعداداً للصليب!
- حينما يَدُقُّ الحزن والألم باب حياتنا،
فهذا هو المسيح يُرفَع على الصليب!
- حينما تقع الخسارة وتدخل التجربة أعماقنا،
فهذا هو المسيح تُدَقُّ يداه ورجلاه على الصليب!
- حينما يُطوَّح بكرامتنا إلى الطين ونفقد كل شيء،
فهذا هو المسيح يُنكِّس الرأس ويُسلِم الروح!
إذن، فليست هناك حدود تفصل صليبـي عن صليب المسيح. إن تجربتي مُعادة، تمَّت أولاً على صليب المسيح بنجاح، واليوم يُراد تجديدها لحسابي.
منقول عن الاب متى المسكين
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق